وزارة محو الأمية

بقلم د. هشام عبد الصبور شاهين منقولة عن الدستور الاصلي
فى عام 1947 اندلعت الحرب الأهلية بين المسلمين والهندوس وغرقت شوارع الهند بدماء أهلها وبأيديهم، عندها أضرب الزعيم الهندى الراحل المهاتما غاندى عن الطعام فى محاولة منه لرد (الدهماء) عن أن يقتل بعضهم بعضا؛ فجاء إليه رئيس الوزراء آنذاك جواهر لال نهرو محاولا إثناءه عن الإضراب فقال له: الشعب كله يتحرك .. فرد المهاتما المضرب عن الطعام بصوت واهن: أعرف.. ولكن إلى أين ؟
ثار الشعب المصرى على حكامه ثورته الرائعة؛ شارك فيها من شارك، واستشهد من استشهد، وأصيب من أصيب، وتقاعس من تقاعس، ثم رحل الرئيس وأصبح سابقا أو مخلوعا، ثم احتفل من احتفل.. وهنا نقول: ماذا بعد؟ هل عدنا إلى المربع صفر كما كانت بلادنا فى أعقاب انقلاب يوليو 1952 ؟ أجل .. نحن فى هذا المربع الخطير الذى يعنى وجودنا فيه أن الثورة لم تنته؛ بل إنها بدأت، وتحرك الشعب كله، ولكن كما قال غاندى: إلى أين؟
عندما قامت ثورة الجيش فى يوليو 1952؛ أعلنت الأهداف التى قامت من أجلها الثورة وهى القضاء على الإقطاع والقضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال المستبد، وإقامة حياة ديمقراطية سليمة، وإقامة عدالة اجتماعية، وواضح لكل ذى عين أن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق، وقد يرد المتحمسون للثورة ويختلقون الأعذار لعدم تحقق أهدافها، وبغض النظر عما سيطرح على الساحة الفكرية من مناقشات وحوارات؛ فلن يجيب أحد عن السؤال الأكبر: لماذا بقيت مصر بعد سبعة وخمسين عاما من حكم الفرد مجتمع النصف فى المائة؟ ونسبة الأمية فيها تخطت حد الخطر؟
السبب الأول هو أن من حكموا مصر منذ قامت الثورة حرصوا – لضمان بقائهم على كراسى الحكم والسلطة – على الحفاظ على النسبة المرتفعة للأمية فى الشعب، لأن الشعب الأمىّ يسهل قياده، وهم لا يحتاجون لمن يفكر أو يدلى برأيه، ناهيك عن أن يطرح على الناس رؤيته العلمية للمستقبل، فكان من ينبغ فى علم أو لديه من الطموح ما يمكنه أن يبرز كعقل موح ٍ أو محفز للناس ليتعلموا؛ يُدخل عنوة فى الدائرة الجهنمية للطرد المركزى، فيخرج إلى أمريكا وأوروبا والعالم العربي، ويسطع نجمه هناك، أو يهمّش إن بقى هنا ويحجَّم دوره، والأمثلة على هذا كثيرة، ولا عزاء لمصر؛ فلم يكن من أهداف الثورة القضاء على الجهل والأمية أو النهوض بالتعليم.
السبب الثانى هو الخلط المقصود بين المعنى الموسوعى للثقافة ومعناها الحكومى المصرى، فالثقافة فى علم الأنثروبولوجيا هى أسلوب الحياة السائد فى أى مجتمع، وهى تشمل مجموع ما يكتسبه مجموعة من الناس عبر الأجيال من عادات وطرق للتعامل فيما بينهم، ولا يتضمن الاستخدام العلمى للكلمة تقدم المعرفة أو الفن أو الرسم أو النحت أو التمثيل، أما المعنى الحكومى لها فى مصر ومثيلاتها من الدول فهى المسرح والسينما والإنتاج الفنى والغنائى والكتب والموسيقى والشعر (يا سلام لو بلغة أجنبية!)، والآثار وسرقتها والمتاجرة بها، وهى أشياء لا تمت بصلة لأسلوب حياة الناس، فأصبحت ثقافة الشعب فى واد من حيث أسلوب الحياة السائد، والثقافة الحكومية فى واد آخر، وهذا الانفصام فى معنى الثقافة أدى إلى أن أصبحت ثقافة المصري مَسخا لا شكل له ولا معنى، وتبدو صورة هذا المسخ واضحة جلية في الفرق بين ما نراه فى وسائل الإعلام وما نعاينه من ثقافة الشارع.
وعود إلى الثورة المصرية المبروكة، الشعب المصرى قام بثورته المتفردة فى طريقتها وأهدافها ومن قاموا بإشعال شرارتها وبوقوف الناس والجيش من ورائهم، ولكن ماذا بعد ؟ طب وبعدين ؟ ماذا سنفعل لكى لا يكون مصير أهدافها كمصير سابقتها ؟ ماذا نفعل للقضاء على ظاهرة بحث البسطاء الأميين عن الهلال والجمل والساعة والبطيخة فى أوراق الانتخاب والاستفتاء ؟ إن هذا يستدعى تدخلا سريعا وحاسما من الدكتور عصام شرف – كان الله فى عونه – لفرض الحل الجذرى للمشكلة التى تهدد مستقبل مصر.
بعد أن يرحل الحرس القديم؛ قريبا إن شاء الله؛ ويعاد ترتيب الأولويات السياسية والاقتصادية، يجب أن يعلن رئيس الوزراء عن مشروع وطني كبير، يَستحدث به فى الحكومة الجديدة وزارتين؛ الأولى وزارة لمحو الأمية على غرار وزارة السد العالى التى استحدثت لبنائه وبعد الانتهاء من بنائه وتشغيله انتهى دور الوزارة، وكذلك تكون وزارة محو الأمية؛ تنشأ للقضاء على أمية المصريين فى خلال سنتين تنتهى مهمتها بعدهما، ويجب أن تستثمر فيها طاقات الشباب وكل من يتمنى خدمة بلاده من الأفراد والأحزاب والجمعيات والمنظمات، فالعيب كل العيب أن تبقى هذه حال مصر من التردي والأمية والخيبة، بعد أن كانت الرائدة فى العالم علما وتقدما وهيبة.
والوزارة الثانية هى وزارة الثقافة الشعبية، التى لا تمت بصلة للمعنى الحكومى للثقافة، وإنما تكون مهمتها إعادة تربية المصريين جميعهم على أسس جديدة، للتعامل السوىّ الراقى الحضارى مع أسرهم وأطفالهم ومجتمعهم وبلدهم وشوارعهم ومستشفياتهم ومرافقهم وبيئتهم وزوارهم، وليغير اسم وزارة الثقافة الحالية إلى وزارة الفن والآثار لأنها لم تؤد ما كان عليها أن تؤديه من اسمها. واسلمى يا مصر..